الحياة ملككِ إن انتبهتِ
تأليف: عائشة باسليمان
© عائشة باسليمان
جميع الحقوق محفوظة. لا يجوز إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب، أو تخزينه، أو نقله بأي وسيلة، دون إذن خطي من صاحبة الحقوق، باستثناء الاقتباسات القصيرة وفق ما يسمح به القانون.
تنبيه خاص بالنسخة الإلكترونية
هذه النسخة مخصصة للاستخدام الشخصي للمشتري. لا يجوز إعادة بيعها أو نشرها أو مشاركتها أو توزيعها، كليًا أو جزئيًا، دون إذن خطي من صاحبة الحقوق.
إلى أسرتي التي نشأتُ فيها، بما حملته لنا الحياة من تحديات، وبما ظلّ يجمعنا، رغم كل ما مررنا به، من حبّ وقيم وودّ.
الذي ترك لي، من بين ما ترك، جملة ما زالت ترافقني في كثير من اختيارات حياتي:
«يا ابنتي، ما دمتِ في إطار ما يرضي الله... فافعلي ما شئتِ.»
كبرتُ، وكبرت الجملة معي. وفهمت لاحقًا أنه لم يعطني بها حرية بلا مرجع، ولا مرجعًا يخنق اختياري... بل أعطاني وجهة، ثم ترك لي مساحة أن أفكر وأختار وأتحمل مسؤولية اختياري.
وربما كانت تلك إحدى البذور الأولى للفكر الذي أحمله اليوم..
وإلى حلقات الكتب والنقاشات التي جمعتنا. كنا نظن أننا نراجع كتابًا... ولم أكن أعرف أن تلك الساعات كانت تضع، بهدوء، بعض اللبنات الأولى في بنائي الفكري.
هديتي الجميلة من الله، التي دخلت حياتي، فتحولت معها حياتي من لونين إلى ألوان.. كنت أظن أنني سأعلّمها الكثير عن الحياة... واكتشفت أن الأمومة نفسها كانت تعلّمني.
الذي آمن بي، وترك لفكري مساحته، وساندني وأنا أحاول أن أحوّل ما أؤمن به إلى عمل ورسالة وكتاب.
شكرًا لأنك لم تطلب مني
أن أصغر حتى تتسع لي الحياة...
بل شجعتني أن أمضي فيها
كما أؤمن أنني خُلقت لأمضي.
لذلك الود الذي حفظته الأيام، والحب الذي كلما اختبرته الحياة عاد إلينا أكثر نضجًا.
بكلمة، أو ثقة، أو دعاء، أو موقف ربما نسيه هو... وبقي أثره فيَّ.
ربما لاحظت منذ الصفحات الأولى أنني أخاطب القارئة بصيغة المؤنث.
لم أفعل ذلك لأن هذا الكتاب للنساء وحدهن.
ما نتحدث عنه هنا ليس شأنًا نسائيًا ولا رجاليًا فقط.
لكن معظم رحلتي في الإرشاد والمرافقة كانت مع النساء.
جلست طويلًا مع نساء يحاولن أن يفهمن ما يحدث لهن، وأن يستعدن موقعهن في حياتهن، وأن يعشن هذه الحياة بمعنى أكبر، وخسائر أقل، وفهم أعمق لأنفسهن.
ومن تلك المساحة خرج صوت هذا الكتاب.
لذلك اخترت أن أحدث المرأة مباشرة.
أردت أن تشعر وهي تقرأ أنني أجلس أمامها، لا أنني أخاطب جمهورًا مجهولًا بصيغة عامة.
لكن هذا لا يجعل الكتاب خاصًا بها وحدها.
إن كنت رجلًا ووصل هذا الكتاب إلى يديك، فلا تقف طويلًا عند الضمير.
اقرأ السؤال لنفسك.
حين أقول لها:
اسأل أنت:
ما الذي يقودني من الداخل؟
وحين أسألها:
خذ السؤال إليك:
ماذا سأفعل أنا بما انتبهتُ إليه؟
لا أعرف ما الذي جاء بكِ إلى هذا الكتاب.
ربما مشكلة أتعبتكِ. ربما علاقة لا تعرفين ماذا تفعلين بها. ربما شيء يتكرر في حياتكِ، وفي كل مرة تقولين:
«هذه المرة سأتصرف بطريقة مختلفة.»
ثم... يحدث الشيء نفسه تقريبًا..
فتجلسين بعد أن يهدأ كل شيء وتسألين:
«لماذا فعلتُ ذلك؟ أنا كنت أعرف.»
كنت أعرف أنني إذا رددت وأنا غاضبة سأندم. كنت أعرف أنني لا أريد أن أقول نعم. كنت أعرف أن هذا التفكير لن يغيّر شيئًا. كنت أعرف... ومع ذلك فعلت.
غريب، أليس كذلك؟
نملك أحيانًا المعلومة الصحيحة... لكن حياتنا لا تتصرف دائمًا وكأنها سمعتها.
ربما نحن لا نحتاج
في كل مرة إلى معلومة جديدة.
ربما نحتاج أن نرى
ما يحدث ونحن نعيش ما نعرفه.
وقد لا تكونين هنا بسبب مشكلة أصلًا.
ربما حياتكِ تسير. تعملين. تحبين. تعتنين بمن حولكِ. تنجزين أشياء كثيرة.
ومع ذلك، في مكان هادئ داخلكِ، يظهر سؤال لا تعرفين من أين جاء:
«هل أنا أعيش حياتي فعلًا...
أم أنني فقط أتعامل
مع ما تلقيه أمامي يومًا بعد يوم؟»
لا تجيبي الآن. احتفظي بالسؤال فقط.
أنا أيضًا لم أصل إلى هذا الكتاب من إجابة جاهزة.
وصلت إليه من الأسئلة. من سنوات قضيتها أستمع إلى النساء.
امرأة تعرف تمامًا أن علاقة ما تؤذيها، لكنها لا تستطيع أن تبتعد.
وأخرى تعطي الجميع، ثم تنهار لأنها تشعر أن أحدًا لا يعطيها.
وأم تعرف أن الصراخ لن يصلح الموقف... ثم تجد نفسها تصرخ.
كنت أسمع القصص تختلف... لكن شيئًا ما كان يتكرر تحتها.
كأن المشكلة التي نراها ليست دائمًا هي المكان الذي تبدأ منه المشكلة.
ما الذي كان يقودنا أصلًا ونحن نتصرف؟
قبل أن تفتحي الصفحة التالية...
ضعي هاتفكِ على الوضع الصامت، وأبعدي عنكِ كل ما يمكن أن يشتت انتباهكِ. امنحي نفسكِ مساحة من الهدوء؛ فالانتباه لا ينمو في قلب الضجيج. لا تحتاجين إلى ساعات. يكفي أن تمنحي هذه الرحلة وقتًا لا ينافسها فيه شيء. هذه الدقائق لكِ.
أطلقي زفيرًا بطيئًا وطويلًا... وكأنكِ تتركين خلفكِ ضجيج اليوم. ثم خذي شهيقًا هادئًا، واستشعري أنكِ هنا. الآن. في هذه اللحظة. مع نفسكِ. لا مع ما حدث بالأمس، ولا مع ما سيحدث غدًا. أنتِ هنا. وهذه اللحظة هي نقطة البداية.
لا تقرئي بعينيكِ فقط. اجعلي القلم رفيقكِ في هذه الرحلة. اكتبي. توقفي. اسألي. أجيبي. واعترضي إن اختلفتِ مع فكرة. فالصفحة التي لا تتركين فيها أثرًا من تفكيركِ، قد تكون صفحة مررتِ عليها... لكنها لم تمر بكِ.
قبل أن تبدئي،
اقرئي هذه البنود ببطء.
ثم، إن كنتِ مستعدة،
اعقدي هذا الميثاق مع نفسكِ.
لن أجمّل إجاباتي لأبدو أفضل. سأكتب ما أشعر به فعلًا، حتى لو لم يعجبني، وحتى لو اكتشفت أنني كنت أروي لنفسي قصة مختلفة. سأختار الحقيقة على الصورة.
لن أجعل الظروف أو أفعال الآخرين تمنعني من النظر إلى المساحة التي تخصني أنا. سأتعلم أن أرى بوضوح: ما الذي حدث لي؟ وما الذي أفعله أنا بما حدث؟ سأستعيد مسؤوليتي من دون أن أحمل نفسي مسؤولية ما لم أفعله..
حين تظهر مشاعر ثقيلة، لن أسارع إلى قمعها. سأتوقف. سألاحظ. سأسأل: ما الذي أثار هذا الشعور؟ وإلى ماذا قد يشير عندي؟ لن أتعامل مع مشاعري كعدو، ولن أجعلها أمرًا يجب أن أنفذه.
لن أتعجل الوصول إلى النهاية. سأمنح كل تمرين حقه من الحضور. قد أحتاج إلى التوقف عند صفحة يومًا كاملًا. وهذا ليس تأخرًا. هذه هي الرحلة.
والآن...
قبل أن تدخلي إلى عمق الكتاب،
اكتبي بيدكِ.
لا تستعجلي.
لا تبحثي عن إجابة مثالية.
دعي يدكِ تكتب
ما تعرفينه في داخلكِ
قبل أن تبحثي له عن صياغة مثالية..
والآن... ضعي يدكِ على هذه الصفحة للحظة.
اقرئي الجملة التالية ببطء:
خذي نفسًا هادئًا.
ثم افتحي الصفحة التالية.
من تدخل رحلة الانتباه بعقلية تحميها من رؤية نفسها...
قد تقرأ الكتاب كله ولا ترى شيئًا.
ادخلي دون الحاجة إلى تبرير.
دون الحاجة إلى أن تظهري بمظهر الإنسان المثالي..
ودون الحاجة إلى أن تعرفي مسبقًا إلى أين ستأخذكِ هذه الرحلة.
ادخلي كما أنتِ.
فالانتباه لا يحتاج إلى نسخة أفضل منكِ كي يبدأ.
يحتاج فقط إلى أن تكوني حاضرة.
وربما... هذه هي أول مرة منذ وقت طويل...
تكونين فيها حاضرة حقًا مع نفسكِ.
السؤال جاء متأخرًا.
بعد أن قلتُ الكلام.
بعد أن أرسلتُ الرسالة.
بعد أن وافقتُ على شيء لم أكن أريده.
ثم هدأ كل شيء قليلًا... فجلستُ مع نفسي وقلت:
«أنا كنت أعرف.»
كنت أعرف أنني إذا رددتُ وأنا غاضبة سأندم.
كنت أعرف أنني لا أريد أن أقول نعم.
كنت أعرف...
فلماذا فعلتُ عكس ما أعرف؟
هنا أريدكِ معي.
ليس بعد أن انتهى الموقف...
بل قبل ذلك بقليل.
في اللحظة التي حدث فيها شيء.....
ثم خرج منكِ رد أسرع من قدرتكِ على رؤيته.
«عادي... ما عندي مشكلة.»
بينما في داخلكِ اجتماع كامل يؤكد أن عندكِ مشكلة كبيرة جدًا.
ربما نحن لا نختار في كل مرة بالقدر الذي نعتقده.
أحيانًا يبدأ الرد...
قبل أن نصل نحن إليه.
«لكنني أنا التي فعلتُ.»
صحيح.
أنا التي قلت.
وأنا التي أرسلت.
وأنا التي وافقت.
ولم يكن هناك شخص يحرك يدي بدلًا مني.
إذن كيف أقول إنها كانت ردة فعل؟
لأن السؤال ليس فقط:
مَن قام بالفعل؟
بل أيضًا:
هل رأيتُ ما يحدث داخلي
قبل أن أفعله؟
وهل كانت لديَّ
مساحة حقيقية لأختار؟
قد تكون ردة الفعل صراخًا.
لكن قد تكون أيضًا صامتة جدًا.
أن أنسحب فورًا.
أن أقول «نعم» قبل أن أفكر.
أن أبدأ بالتبرير.
أن أغلق الباب.
أو أن أقضي بقية اليوم أعيد الموقف في رأسي...
مع إضافة مشاهد لم تحدث أصلًا!
في هذا الكتاب، حين أقول «ردة فعل» لا أقصد مجرد الانفعال.
أقصد تلك الاستجابة التي تخرج بسرعة...
ويقودها شيء تعلّمناه، أو اعتدناه، أو خفنا منه...
قبل أن تتسع اللحظة بما يكفي لنرى ماذا نفعل.
ردة الفعل:
أن تخرج استجابتكِ
قبل أن تتمكني
من رؤية ما يحدث داخلكِ
بوضوح..
طيب... وأين يأتي الانتباه؟
الانتباه هنا لا يعني أنكِ أصبحتِ واعية بكل شيء فجأة.
ولا يعني أنكِ لن تغضبي بعد اليوم.
الانتباه يبدأ في اللحظة التي تلتقطين فيها:
«شيء يحدث داخلي الآن.»
قبل أن تقولي:
«إذن يجب أن أتصرف بناءً عليه.»
تخيلي أمًّا في نهاية يوم طويل.
متعبة.
أشياء كثيرة لم تنتهِ.
طفلها يمر بجانب الطاولة... فيسقط كوب ماء على الأرض.
لحظة صغيرة.
ثم يأتي الصراخ.
«ألا تنتبه؟! كم مرة قلت لك؟!»
وبعد قليل... ربما تنظر إلى المشهد وتقول:
كل هذا... على كوب ماء؟
ربما لم يكن الماء هو كل القصة.
ربما كان هناك تعب.
ضغط.
إحساس بأنها وحدها تحمل كل شيء.
وربما تراكمت أشياء كثيرة... وجاء الماء فقط في اللحظة التي فاض فيها الكأس.
الحدث حقيقي.
لكن استجابتي له
قد تحمل معها
أكثر من هذا الحدث وحده.
وهنا تبدأ الأسئلة.
لا أريد منكِ الآن أن تحللي طفولتكِ.
ولا أن تبحثي عن تفسير لكل شعور.
فقط راقبي يومكِ.
عندما أقول «نعم»...
هل أردتُ فعلًا أن أقولها؟
عندما أغضب...
هل غضبي كله من هذه اللحظة؟
عندما أتراجع...
هل تغير رأيي فعلًا؟ أم ظهر الخوف؟
عندما أبرر بسرعة...
ماذا أحاول أن أحمي؟
لا تجيبي لتُثبتي أنكِ واعية..
نحن أصلًا نحاول أن نكتشف أين لا نكون كذلك.
فقط انتبهي إلى اللحظة التي يصبح فيها الشعور...
قرارًا.
طيب... ماذا أفعل حين ألتقط اللحظة؟
لا تحتاجين إلى تقنية معقدة.
فقط امنحي نفسكِ مساحة صغيرة جدًا بين ما حدث... وبين ما ستفعلينه بعده.
١. توقفي
لا تجيبي فورًا. لا ترسلي الرسالة الآن. لا تتخذي قراركِ في ذروة الانفعال.
٢. تنفّسي
نفس هادئ. ليس لإلغاء الشعور... بل حتى يصبح مرئيًا قبل أن يقودكِ.
٣. اسألي
ماذا يحدث داخلي الآن؟
غضب؟ خوف؟ جرح؟
رغبة في أن أنهي التوتر بسرعة؟
هل سأتصرف الآن
وفق ما أريد أن أبنيه......
أم فقط لأتخلص
من شعور لا أريد أن أشعر به؟
«يعني أتوقف ثلاث ثوانٍ... وأنتهي؟»
أتمنى.
لكن لا.
ثلاث ثوانٍ ليست وصفة سحرية.
وقد تحتاجين في بعض المواقف أكثر من ذلك بكثير.
دقيقة.
ساعة.
أو أن تقولي:
«أحتاج أن أفكر قبل أن أجيب.»
المساحة الفاصلة
لا تمنع الشعور.
هي فقط تمنحكِ فرصة
أن تريه
قبل أن تتصرفي تحت دفعه..
وهذه وحدها... بداية مختلفة.
لأنني للمرة الأولى لا أقول فقط:
«هكذا أنا.»
بل أستطيع أن أسأل:
«هل هذه أنا... أم نمط تعودتُ أن أكرره؟»
اختاري موقفًا واحدًا حدث قريبًا، وقلتِ بعده: «لماذا فعلتُ ذلك؟»
حسنًا... رأيتُ ردة فعلي.
رأيت أنني أغضب بسرعة في بعض المواقف.
وأنني أوافق أحيانًا حتى لا أخسر رضا أحد.
وأنني أفكر أكثر مما أحتاج.
جميل.
إذن أعرف المشكلة الآن، صحيح؟
ربما.
وربما عرفتِ فقط الجزء الذي يظهر منها.
وهنا تبدأ حكاية هذا الفصل.
تُروى حكاية طريفة عن امرأة كانت تشكو ألمًا شديدًا في يدها اليمنى.
قال لها أبناؤها:
«اذهبي إلى الطبيب.»
رفضت.
كانت تخاف من الفحص.
ألحّوا عليها طويلًا...
حتى وافقت أخيرًا.
رجعت إلى البيت مبتسمة، وكأن المهمة انتهت بنجاح.
فسألوها:
«كيف كان الفحص؟»
قالت بكل ارتياح:
«بسيط جدًا... أعطيته يدي اليسرى!»
نضحك.
لأن الحل واضح جدًا من الخارج.
كم مرة نفعل الشيء نفسه، بطريقة أكثر أناقة قليلًا؟
«مشكلتي أنني متعبة.»
فأحاول أن أرتاح.
لكنني لا أسأل لماذا أحمل فوق قدرتي أصلًا.
«الناس يستنزفونني.»
فأبحث عن طريقة أتحملهم بها أكثر.
ولا أسأل لماذا يصعب عليَّ أن أقول: هذا يكفي.
«أنا عصبية.»
فأتعلم كيف أخفض صوتي.
لكنني لا أقترب من السؤال الأهم: ما الذي يشعل هذا الغضب أصلًا؟
«لا أحد يقدّرني.»
فأعطي أكثر...
حتى يقدّروني أكثر!
نعم.
أحيانًا يكون علاج الاستنزاف عندنا...
مزيدًا من الاستنزاف.
ربما نحن أيضًا نقدم اليد التي لا تؤلم.
أعرف ما قد تقولينه الآن:
«لحظة يا عائشة. أحيانًا الآخر هو المشكلة فعلًا.»
نعم.
وقد يكون الآخر مخطئًا.
وقد يكون مؤذيًا.
وقد تكون الظروف قاسية فعلًا.
وهذا الفصل لا يأتي ليقول لكِ:
«كل ما يحدث لكِ سببه أنتِ.»
لا.
لو وصلنا إلى هذه النتيجة، فقد أعطيناكِ اليد الخطأ مرة أخرى!
هل ما أراه أمامي هو كل ما يحتاج أن أراه؟
قد يكون سلوك الآخر مشكلة حقيقية...
وفي الوقت نفسه تكون هناك منطقة تخصني أنا لم أفحصها بعد.
الاثنان يمكن أن يكونا صحيحين معًا.
أن أنشغل بالجزء الظاهر من المشكلة...
وأصرف عليه تفكيري، وشكواي، ومحاولاتي...
بينما أتجنب جزءًا آخر قد يكون أقل راحة في النظر إليه.
ليس لأن الجزء الظاهر وهم.
بل لأنه ليس القصة كلها.
هي الجزء الذي أراه بسهولة.
«هو لا يقدّرني.»
«أبنائي لا يسمعون كلامي.»
«ليس لديَّ وقت.»
«العمل يضغطني.»
«هي تغيّرت معي.»
«أنا متعبة.»
قد تكون كل هذه الأشياء صحيحة.
لكن...
هنا يصبح السؤال أقل راحة:
ماذا يحدث عندي أنا أمام هذا الواقع؟
هل أخاف أن أضع حدًا؟
هل يصعب عليَّ طلب ما أحتاجه بوضوح؟
هل أوافق ثم أغضب لأن الآخرين لم يعرفوا أن موافقتي لم تكن حقيقية؟
هل أصبحت قيمتي مرتبطة بأن يحتاجني الجميع؟
هل أريد أن أتحكم في كل التفاصيل لأن المجهول يخيفني؟
هل أخشى خسارة العلاقة إلى درجة أنني أخسر نفسي وأنا أحافظ عليها؟
«لا أحب هذه الأسئلة.»
أعرف.
اليد اليمنى لا تأتي عادةً وهي تحمل الشوكولاتة.
لكنها قد تحمل شيئًا أهم:
جزءًا من الحقيقة.
امرأة تقول:
«لا يوجد عندي وقت لنفسي. الجميع يطلب مني.»
وهذا قد يكون صحيحًا تمامًا.
طلبات كثيرة.
أبناء.
أسرة.
عمل.
مسؤوليات.
هذه يدها اليسرى.
هل طلبتِ المساعدة؟
«أحيانًا.»
هل ترفضين ما لا تستطيعين حمله؟
تسكت.
هل يمكنكِ أن تقولي: لن أستطيع اليوم؟
تبتسم ابتسامة صغيرة.
ثم تقول:
«لا أحب أن أُقصّر في حق أحد.»
نقترب قليلًا.
وماذا يعني لكِ أن تقصري؟
...
«أن أكون أنانية.»
آه.
الآن تغير السؤال.
لم تعد المشكلة فقط:
«لماذا يطلب الجميع مني؟»
دخل سؤال آخر:
لماذا أصبح رفض الطلب عندي دليلًا على أنني إنسانة سيئة؟
هل رأيتِ الفرق؟
لم نبرئ الآخرين.
ولم نقل لها إن كل مسؤولياتها خيال.
لكننا وجدنا مكانًا جديدًا تستطيع أن تنظر إليه.
لا.
وأريد هذه الـ لا واضحة.
ليس كل ألم سببه جذر نفسي.
وليس كل ظلم يقع عليكِ سببه شيء في داخلكِ..
وأحيانًا يكون الحل فعليًا خارجيًا جدًا:
مشكلة مالية تحتاج ترتيبًا ماليًا.
مشكلة صحية تحتاج مختصًا.
عمل غير مناسب قد يحتاج قرارًا مهنيًا.
إساءة قد تحتاج حدودًا وحماية.
فالانتباه لا يعني أن نحوّل كل شيء إلى:
«ما الذي تحرّك في داخلي وجعلني أتصرف بهذه الطريقة؟»
وإلا سنقضي العمر نحفر...
بينما الباب مفتوح أمامنا!
السؤال الأكثر عدلًا هو:
ما الذي يحدث فعلًا؟
وما الجزء الخارجي منه؟
وما الجزء الذي يخص طريقتي في التعامل معه؟
هنا يصبح الفحص أوسع، لا أكثر لومًا.
أحيانًا نفعل أشياء نافعة فعلًا:
نقرأ.
نتعلم.
نطلب استشارة.
نضع أهدافًا.
نقرر أن نهدأ.
نحاول أن نكون أكثر إيجابية.
كل هذا يمكن أن يساعد.
لكن تخيلي جدارًا فيه شق واضح.
قمنا بطلائه بلون جميل.
هل أصبح أجمل؟
نعم.
هل اختفى الشق؟
...
هنا المشكلة.
ليس السؤال:
هل فعلت شيئًا؟
بل:
هل ما فعلته وصل فعلًا إلى المكان الذي يحتاج إلى التغيير؟
أحيانًا نستخدم الحلول الجيدة...
حتى لا نقترب من السؤال الذي يخيفنا.
وهنا ظهر ما أسميه.
«التداوي الصوري».
لكن أفعل شيئًا يبدو علاجًا للمشكلة....
لكنه لا يصل إلى الموضع الذي يحتاج فعلًا إلى الفحص.
وهو صورة أخرى من صور تقديم اليد اليسرى..
لا تبحثي فقط عن «خطأ».
هذه نقطة مهمة.
قد تجدين خلف السلوك:
خوفًا.
حاجة.
اعتقادًا قديمًا.
رغبة في القبول.
محاولة لتجنّب ألم.
تعلقًا بصورة معينة عن نفسكِ.
أو مكسبًا صغيرًا تحصلين عليه من استمرار النمط.
مكسب؟
نعم.
وقد تعترضين:
«كيف يكون السلوك الذي يؤذيني مفيدًا لي؟»
ليس مفيدًا بالضرورة على المدى البعيد.
لكنه قد يعطيكِ شيئًا مؤقتًا.
حين أقول نعم للجميع...
أتجنب لحظة غضبهم.
حين لا أواجه...
أتجنب التوتر الآن.
حين أتحكم في التفاصيل...
أشعر للحظة أن الأمور لن تفاجئني.
حين أستمر في العطاء...
قد أشعر أنني ضرورية.
وهنا السؤال لا يصبح:
«ما خطبي؟»
بل:
ماذا أحاول الحصول عليه من هذا السلوك؟
أو ما الذي أحاول تجنبه من خلاله؟
هذا السؤال وحده قد يفتح بابًا لم يكن ظاهرًا.
قد تنظرين الآن إلى يدكِ اليمنى وتقولين:
«آه... إذن أنا المشكلة.»
لا.
ارجعي.
نحن لم نقل هذا.
اكتشاف دوركِ لا يعني أنكِ سبب كل شيء.
إذا ظلمكِ شخص، فظلمه مسؤوليته.
إذا أخطأ، فخطؤه مسؤوليته.
إذا فرضت عليكِ الحياة ظرفًا لم تختاريه، فلستِ مطالبة بالاعتذار عنه.
لكن بعد أن نثبت كل ذلك...
يبقى السؤال:
وأنا؟
ما الجزء الموجود
في مساحتي؟
هذه ليست إدانة.
هذه في الحقيقة بداية استعادة شيء مهم جدًا.
لكننا لن نسميه بعد.
سنصل إليه في الفصل القادم.
اختاري مشكلة تتكرر في كلامكِ.
ليست أخطر مشكلة في حياتكِ.
شيئًا يمكنكِ النظر إليه بهدوء.
لا تبحثي عن إجابة قاسية.
ابحثي عن إجابة صادقة.
هل هناك خوف؟ احتياج إلى قبول؟ صعوبة في وضع حد؟ حاجة إلى السيطرة؟ خوف من خسارة شيء؟ اعتقاد قديم عن نفسكِ؟
لا تنفذيها الآن
إذا كانت تحتاج تفكيرًا
أو قرارًا كبيرًا.
يكفي أن تريها.
هنا قد يحدث شيء غريب.
طوال الفصل كنتِ تقولين:
«أريد أن أعرف الجذر.»
ثم تعرفينه...
«مممم... هل يمكن أن نرجع إلى اليد اليسرى؟»
طبيعي.
فمثلًا:
كنتِ تقولين:
«الناس يستهلكون وقتي.»
ثم رأيتِ أن جزءًا من المشكلة هو خوفكِ من قول «لا».
جميل.
الآن تخيلتِ نفسكِ تقولين «لا»...
فشعرتِ بالذنب.
أو الخوف.
أو قلتِ:
«ماذا لو غضبوا مني؟»
وهنا انتبهي إلى شيء مهم جدًا:
اكتشاف الحقيقة لا يعني أنكِ أصبحتِ مستعدة فورًا للعيش وفقها.
قد ترين...
ثم تخافين مما رأيتِ.
وقد يكون هذا الخوف نفسه جزءًا مما أبقاكِ سنوات في النمط القديم.
لا نحتاج الآن إلى إلغاء الخوف.
يكفي أن نفصل بين جملتين:
أنا خائفة.
إذن يجب أن أتراجع.
ليستا الجملة نفسها.
قد تقولين:
«لكنني أشعر بالذنب إذا غيرت طريقتي.»
حسنًا.
لا نتجاهل الذنب أيضًا.
لكن قبل أن تحكمي على قراركِ بسببه، اسألي:
هل أشعر بالذنب لأنني فعلت شيئًا يخالف قيمي؟
أم لأنني فعلت شيئًا جديدًا يخالف ما اعتاده الآخرون منّي؟
الفرق مهم.
إذا ظلمتِ شخصًا... راجعي نفسكِ.
إذا أخطأتِ... اعتذري.
إذا اكتشفتِ أنكِ فقط توقفتِ عن لعب دور استنزفكِ لسنوات......
فلا تجعلي الشعور وحده يحكم على القرار قبل أن تفحصيه.
وهنا...
تظهر أمامنا مشكلة جديدة.
رأيتِ العرض.
اقتربتِ من الجذر.
رأيتِ الخوف.
وربما الذنب.
ثم ماذا؟
من صاحبة القرار بعد كل ما رأيتِه؟
هذا السؤال لم يعد سؤال هذا الفصل.
إنه باب الفصل القادم.
لنلخصها بصوتكِ أنتِ:
أنا أرى ما يؤلمني.
لكنني لن أفترض أن ما أراه أولًا هو القصة كلها.
لن أستخدم هذا السؤال لألوم نفسي.
ولن أستخدم أخطاء الآخرين لأتجنب النظر إلى دوري..
سأفحص اليد التي تؤلمني فعلًا...
حتى لو كان ذلك أصعب.
رأيتِ. فهمتِ.
لكن الرؤية تركت أمامكِ سؤالًا جديدًا:
حسنًا... رأيتُ.
رأيتُ أن المشكلة ليست دائمًا في اليد التي أقدمها أولًا.
رأيتُ خوفي.
وربما رأيتُ حاجتي إلى القبول.
أو صعوبة قول «لا».
أو شيئًا أفعله منذ سنوات وأقول عنه:
«هكذا أنا.»
والآن؟
ماذا أفعل بما رأيت؟
هنا يتغير السؤال.
لم نعد نسأل فقط:
لماذا أفعل هذا؟
ماذا سأفعل الآن وأنا أعرف؟
لأن الرؤية وحدها قد تجعلني أفهم نفسي أكثر...
لكنها لا تعيش حياتي عني.
أعرف.
وهذه واحدة من الجمل التي يجب أن نتعامل معها بعدل.
أحيانًا بالفعل...
لا يكون ما حدث بيدكِ.
لم تختاري المرض.
لم تختاري أن يخذلكِ أحد.
لم تختاري بعض ظروف طفولتكِ.
لم تختاري قرارًا اتخذه شخص آخر وأثّر في حياتكِ..
ولم تختاري كل باب أُغلق أمامكِ.
لذلك عندما أستخدم هنا كلمتي:
الفاعل والمفعول به
فأنا لا أتحدث عن المذنبة والبريئة.
ولا عن القوية والضعيفة.
ولا أقول للمرأة التي وقع عليها ظلم:
«كان ينبغي أن تمنعيه.»
لا.
أن يقع عليكِ شيء لم تختاريه...
حقيقة.
لكن هناك سؤالًا يأتي بعد وقوعه:
هل سيظل ما وقع هو الذي يقرر كل ما سأفعله من هنا؟
هنا يبدأ الفرق الذي يهمني.
في اللغة، المفعول به هو الذي وقع عليه الفعل.
وهذا يحدث لنا جميعًا في الحياة.
يقول أحدهم كلمة... فتقع علينا.
يتركنا شخص... فنكون نحن مَن وقع عليه فعل الترك..
تأتي نتيجة لم نردها.
يحدث ظرف لم نخطط له.
إلى هنا...
نحن أمام شيء حدث لنا.
لكن المشكلة تبدأ حين يصبح ما حدث لنا هو الذي يمسك بالقلم بعد ذلك.
«هو تركني... إذن لن أثق بأحد.»
«رفضوني... إذن لن أحاول مرة أخرى.»
«لم يقدّروني... إذن سأظل أعطي حتى يكتشفوا قيمتي.»
«أخطأ في حقي... إذن سأنتظر اعترافه حتى أستطيع أن أرتاح.»
الحدث وقع مرة.
ثم بدأ يكتب ما بعده.
«لكن أليس من الطبيعي أن أتأثر؟»
بالتأكيد.
وأنا لا أطلب منكِ أن تتحولي إلى حجر.
أن تتألمي لا يعني أنكِ مفعول به في حياتكِ.
أن تحزني لا يعني أنكِ ضعيفة.
أن تحتاجي وقتًا لتستوعبي ما حدث لا يعني أنكِ فقدتِ قدرتكِ على الاختيار.
الفارق ليس في وجود الشعور.
الفارق في شيء آخر:
من يمسك بالقلم بعد الشعور؟
تخيلي أن حياتكِ أمامكِ كصفحة.
هناك أشياء كُتبت في صفحتكِ من دون أن تختاريها..
جملة. موقف. خذلان. حب. فرصة. رفض. تربية. ظرف.
وقد ترك بعضها أثرًا لا يمكنني أن أقول لكِ ببساطة:
«انسَيه.»
ولا أريد ذلك أصلًا.
لكن الصفحة لم تنتهِ.
وهنا السؤال:
من يمسك بالقلم الآن؟
قد تقولين:
«أنا.»
جميل.
لكن لنتأكد.
إذا كان ما يكتبه قلمكِ اليوم كله ردًا على ما كتبه شخص آخر بالأمس...
فهل عاد القلم إليكِ فعلًا؟
هذا هو السؤال.
الفاعل في هذا الكتاب ليس الشخص الذي يسيطر على الحياة.
لن تسيطري على كل شيء.
وأرجو ألا تحاولي...
ستتعبين أنتِ، ولن تتعاون الحياة على الأغلب!
الفاعل هو من يسأل:
ما الذي أستطيع أن أختاره هنا؟
ليس:
كيف أجعل الجميع يتصرفون كما أريد؟
كيف أضمن النتيجة؟
كيف أمنع الحياة من أن تؤلمني؟
بل:
أمام ما حدث... ما الذي بقي في يدي؟
وهذه المساحة أحيانًا أصغر مما نحب.
لكنها ليست صفرًا دائمًا.
تقول:
«لن أرتاح حتى يعتذر.»
مفهوم.
لقد أخطأ.
والاعتذار من حقكِ أن تتمنيه.
لكن... ماذا لو لم يعتذر؟
تسكت.
«إذن سأظل متألمة.»
إلى متى؟
هنا السؤال ليس:
هل يستحق أن يعتذر؟
ربما نعم.
السؤال:
هل أضع مفاتيح راحتي كلها في جيب شخص لا أستطيع أن أجبره على شيء؟
قد لا أستطيع أن أجعله يعتذر.
لكن ربما أستطيع:
أن أضع حدًا.
أن أقرر شكل العلاقة من الآن.
أن أطلب حقي بالطريقة المتاحة لي.
أن أبتعد.
أن أستعين بمن أحتاج إليه..
أن أسمح لنفسي بالحزن دون أن أجعل حياتي كلها غرفة انتظار.
هذه ليست ضمانات لراحة فورية.
إنها فقط أشياء تقع في الجزء الذي أستطيع أن أكتب فيه من الصفحة.
لا.
وهذا أيضًا اختصار ظالم للفكرة.
استعادة موقع الفاعل لا تعني:
«خلاص، لا يهم ما فعله الآخر.»
يهم.
وقد يحتاج إلى مواجهة.
أو مساءلة.
أو حماية.
أو إجراء قانوني..
أو إنهاء علاقة.
الفاعل لا يلغي الواقع.
الفاعل يتعامل معه.
هناك فرق كبير.
أحيانًا يكون فعلكِ هو أن تبقي.
وأحيانًا أن ترحلي.
أحيانًا أن تسامحي.
وأحيانًا ألا تعودي إلى العلاقة.
أحيانًا أن تنتظري.
وأحيانًا أن تقولي:
«يكفي.»
لذلك لا أستطيع أن أعطيكِ قائمة جاهزة بما يفعله «الفاعل».
لأن الفعل الصحيح لا يُعرف من شكله فقط.
هل هذا ما اخترتُه بعدما رأيتُ الحقيقة؟
أم هو مجرد رد آخر يقوده خوفي؟
أعرف.
هذه الجملة مألوفة جدًا.
«لو تغيّر هو... سأرتاح.»
«لو فهمتني أمي... سأتوقف عن الغضب.»
«لو احترمني المدير... سأكون أفضل في العمل.»
«لو بدأ زوجي... سأبدأ أنا.»
وبعض هذه التغييرات قد تجعل حياتكِ أسهل فعلًا.
لكن هناك مشكلة صغيرة:
أنتِ لا تملكين زر تشغيل الآخرين.
للأسف لم يُرفق مع العلاقات!
وهنا قد نقضي سنوات كاملة نحاول السيطرة على الجزء الذي لا نملكه...
ثم نقول: «لا أستطيع فعل شيء.»
بينما هناك جزء صغير في يدنا لم نقترب منه بعد.
حين يربكني موقف... أحتاج أن أفرّق بين ما لا أملكه، وما يزال في يدي.
• قرار الآخر.
• مشاعره.
• طريقة تفكيره.
• ماضيه.
• رأيه فيَّ.
• كل النتائج.
• بعض الظروف.
• ما حدث وانتهى.
• كلمتي.
• موقفي.
• الحد الذي أضعه.
• الطلب الذي أعبّر عنه.
• الخطوة التي أبدأها.
• المساعدة التي أطلبها.
• المعلومة التي أبحث عنها.
قد أؤثر في بعض ما لا أملكه... لكن التأثير ليس هو الامتلاك.
وهناك أشياء أخرى ما تزال في جهتي:
المحاولة التي أكررها أو أتوقف عنها.
والطريقة التي أتعامل بها مع ما لا أملكه.
«لكن هذه أشياء صغيرة أمام المشكلة.»
أحيانًا نعم.
لكن الحياة لا تتغير دائمًا بقرار ضخم.
أحيانًا يتغير موقعكِ فيها عندما تتوقفين عن إهدار كل جهدكِ في الدائرة التي لا تستجيب لكِ...
وتضعين يدكِ على الشيء الوحيد الذي يمكنكِ أن تبدئي به.
هناك عبارات نقولها من دون أن ننتبه إلى ما تمنحه للآخر من سلطة:
«هو جعلني أصرخ.»
نعم، قد يكون ما فعله قد أثار غضبك.
ربما.
لكن هل أمسك حنجرتكِ وفعل الصراخ مكانكِ؟
«هم أجبروني على أن أوافق.»
هل كان هناك ضغط حقيقي؟
قد يكون.
لكن هل كان عندكِ أي مساحة للاعتراض أو التأجيل أو طلب المساعدة؟
أحيانًا نعم.
وأحيانًا فعلًا لا.
وهنا يجب أن نكون صادقات، لا قاسيات.
لذلك بدل:
«هو جعلني...»
جربي:
«حين فعل هو كذا، شعرتُ بكذا، ثم فعلتُ أنا كذا.»
انتبهي لما حدث.
الجملة لم تبرئه.
لكنها أعادتكِ إلى المشهد.
هو فعل فعله.
وأنتِ أيضًا لكِ فعلٌ في المشهد..
هذه اللغة الصغيرة قد تعيد القلم إلى يدكِ.
اختاري من المساحة التي لديكِ.
لا من المساحة التي تتمنين أن تكون لديكِ.
قد يكون أقصى ما تستطيعينه الآن:
ألا تجيبي اليوم.
أن تطلبي يومًا للتفكير.
أن تتصلي بصديقة موثوقة.
أن تبحثي عن معلومة.
أن تقولي: «لا أعرف بعد.»
حتى هذه خطوة.
فالفاعل ليس دائمًا من يتخذ قرارًا ضخمًا.
أحيانًا هو من يرفض أن يتخذ القرار القديم بالسرعة القديمة.
لا تحولي السؤال إلى هوية جديدة.
«أنا شخصية فاعلة.»
«أنا شخصية ضحية.»
مهلًا.
نحن لا نصنع تصنيفًا جديدًا للناس.
يمكن أن تكوني في موقع الفاعل في العمل...
وفي موقع المفعول به في علاقة..
فاعلة في المال...
وتنتظرين رضا أسرتكِ في قرار يخص حياتكِ.
وقد تستعيدين موقعكِ اليوم...
ثم تفقدينه غدًا أمام موقف آخر.
هذا ليس لقبًا.
إنه موقع.
ولهذا يمكن استعادته.
حين تجدين نفسكِ تقولين:
«لماذا فعلوا بي هذا؟»
قد تحتاجين هذا السؤال أولًا.
لكن بعده أضيفي:
«وماذا أستطيع أن أفعل الآن؟»
حين تقولين:
«لماذا لا يفهمني؟»
أضيفي:
«هل عبّرتُ بوضوح؟ وماذا أفعل إن لم يفهم؟»
وحين تقولين:
«لماذا لا تتغير ظروفي؟»
أضيفي:
«ما الشيء الذي يقع في مساحتي اليوم؟»
لا تمسحي السؤال الأول.
أضيفي الثاني فقط.
لأن الأول يساعدكِ على فهم ما حدث.
والثاني...
يعيدكِ إلى حياتكِ.
اختاري موقفًا حقيقيًا
ما زال يزعجكِ.
ليس موقفًا يحتاج
إلى قرار متسرع.
اكتبيه كما هو.
ما الذي لا يمكنني أن أتحكم فيه هنا؟
ما الذي ما يزال بيدي أن أختاره أو أفعله؟
ثم لا تبحثي عن عشرة حلول.
اختاري فعلًا واحدًا فقط.
صغيرًا. واضحًا. يقع فعلًا في يدكِ.
في التمرين السابق لم أبحث عن كل الحلول.
بحثتُ عن خطوة واحدة تقع فعلًا في يدي.
لكن ماذا لو اخترتُ خطأ؟
آه.
هنا ظهرت مشكلة لم نكن نحتاجها قبل أن نستعيد القلم.
لأن السؤال لم يعد فقط:
هل أستطيع أن أختار؟
بل:
من أين يأتي اختياري؟
أمسكتُ القلم.
أصبحتُ أعرف أن هناك جزءًا من حياتي لا أملكه...
وجزءًا آخر ما زال في يدي.
جميل.
لكن سؤالًا بقي يزعجني:
إذا كان القرار قراري...
فلماذا أشعر أحيانًا
أنني مجبرة وأنا أختار؟
أقول:
«أنا التي وافقت.»
لكنني أوافق وفي داخلي شيء يقول:
لو رفضتِ سيغضبون.
أقول:
«أنا التي أعطي.»
لكنني أعطي وأنا أراقب:
هل قدّروا؟
هل لاحظوا؟
هل سيتذكرون ما فعلته؟
أقول:
«أنا صبرت.»
لكنني أصبر وأنا أعد الأيام حتى يعترف أحدهم أنني كنت على حق.
إذن نعم.
قد يكون القلم في يدي...
لكن هذا لا يخبرني بعد:
من أين أكتب؟
تخيلي أن قريبة لكِ طلبت أن تستضيفيها عدة أيام.
وأنتِ متعبة.
لديكِ مسؤوليات.
والوقت ليس مثاليًا.
تريدين أن تقولي:
«دعيني أفكر.»
لكن قبل أن تنطقي، يبدأ شيء داخلكِ:
ماذا ستقول عني؟
سيقولون إنني تغيرت.
هي وقفت معي يومًا، لا يمكن أن أرفض.
الناس لا ينسون هذه الأشياء.
فتقولين:
«طبعًا، البيت بيتك.»
تمر الأيام...
وأنتِ تقومين بما عليكِ.
تبتسمين.
تقدمين.
تخدمين.
لكن في الداخل تبدأ جملة صغيرة تكبر:
لا أحد يشعر بي.
ثم:
أنا دائمًا التي أضحي.
ثم، عند أول موقف بسيط...
تنفجرين.
وتتعجب القريبة:
«ما الذي حدث؟»
وأنتِ ربما لا تعرفين أيضًا.
والآن تخيلي الموقف نفسه.
الطلب نفسه.
والتعب نفسه.
تتوقفين هذه المرة.
ترين ظروفكِ.
وترين تعبكِ.
وترين قيمة صلة الرحم والوقوف مع من تحبين.
ثم تقولين لنفسكِ:
سيكون الأمر متعبًا،
نعم.
لكنني أختار
أن أفعل هذا.
وقد تحتاجين أيضًا أن توضحي ما تستطيعينه وما لا تستطيعينه.
تستضيفينها.
تتعبين.
وقد تتمنين أحيانًا لو كنتِ وحدكِ في البيت.
هذا طبيعي.
لكن شيئًا مختلفًا موجود في الداخل:
أنا أعرف لماذا أفعل هذا.
الفعل الخارجي متشابه.
والتعب موجود في الحالتين.
لكن التجربة الداخلية ليست نفسها.
لماذا؟
لأن مصدر الفعل اختلف.
الإلزام
و
الإلهام
لكن قبل أن نكمل، دعيني أوضح ما أقصده.
عندما أقول الإلزام هنا، لا أقصد أن كل واجب سيئ.
لدينا واجبات.
حقوق.
مسؤوليات.
وأشياء لا نختار وجودها كل صباح حسب مزاجنا.
ولست أقصد أيضًا الالتزام الشرعي أو القانوني.
أنا أتكلم عن حالة داخلية.
حين أقوم بالفعل وكأن شيئًا يطاردني من الداخل.
الخوف من الرفض.
الخوف من كلام الناس.
الشعور المستمر بالذنب.
الحاجة إلى إثبات قيمتي.
الحاجة إلى أن يحبني الجميع.
أو ذلك الصوت: «يجب... وإلا...»
كما أستخدمه هنا، فلا أقصد به وحيًا.
ولا علامة غيبية.
ولا أن كل ما أشعر بحماس نحوه صحيح.
ولا أنني ما دمت «مرتاحة» فالقرار بالضرورة جيد.
الإلهام هنا هو:
أن أتحرك نحو فعل أرى له معنى، وأختاره من الداخل، حتى لو كان يحتاج مني جهدًا أو صبرًا.
ولهذا...
الإلهام ليس دائمًا مريحًا.
أحيانًا يكون القرار الملهم متعبًا جدًا.
لكنه متعب في اتجاه أعرف لماذا اخترته.
نعم.
وأنا أيضًا لا أريد منكِ أن تستيقظي غدًا وتخبري الحياة:
«عائشة قالت لا أفعل إلا ما يلهمني.»
ثم لا تذهبي إلى العمل!
لسنا ذاهبات إلى هناك.
المسألة ليست:
هل أحب كل ما أفعله؟
بل:
ما علاقتي بالفعل وأنا أفعله؟
قد لا تحبين الاستيقاظ باكرًا لرعاية طفل مريض.
لكن محبتكِ له قد تجعل لهذا التعب معنى.
قد لا تحبين دراسة مادة صعبة.
لكنها جزء من طريق اخترتِه.
قد لا تحبين مواجهة محادثة مؤلمة.
لكن الصدق الذي تريدين أن تعيشي به يدفعكِ إليها.
إذن وجود المشقة لا يخبرنا وحده إن كان الفعل إلزامًا أم إلهامًا.
السؤال أعمق:
ما الذي يدفعني من الداخل؟
«لازم أعمل هذا، ماذا سيقولون عني؟»
و:
«هذا متعب، لكنني اخترت أن أفعله لأن له معنى عندي.»
في الجملتين قد تقومين بالفعل نفسه.
لكن الأولى تضيقكِ.
والثانية تعيدكِ إلى موقعكِ.
وهنا قد تكتشفين شيئًا غريبًا:
أحيانًا لا نحتاج أولًا
إلى تغيير الفعل...
بل إلى أن نرى
ما الذي يدفعنا إليه
من الداخل..
قد أقول نعم كثيرًا...
ثم ألوم الناس لأنهم لا يعرفون أنني كنت أريد أن أقول «لا»..
أعطي...
ثم أنتظر أن يُقرأ عطائي بالطريقة التي أريدها.
أصبر...
ثم أستعمل صبري لاحقًا كفاتورة:
«بعد كل ما فعلته من أجلك...»
أستمر...
لكنني في الداخل أعدّ ما قدمت.
هل تعرفين هذه الجملة؟
«أنا لا أريد شيئًا.»
ثم بعد أسبوع:
«ولا حتى كلمة شكر!»
إذن كنتِ تريدين شيئًا.
وهذا ليس عيبًا.
المشكلة فقط أننا أحيانًا لا نعترف لأنفسنا بما ننتظره...
ثم نغضب حين لا يصل.
وهنا نقترب من سؤال سيصبح مهمًا جدًا لاحقًا:
من أين أعطي؟
لكن لا نستبق الفصل القادم.
هناك عبارة كنت ألاحظ معناها كثيرًا في عملي:
امرأتان قد تمران بالمشقة نفسها.
كلتاهما تصبران.
لكن الصبر ليس التجربة نفسها.
واحدة تقول في داخلها:
«أنا عالقة. ليس أمامي شيء. لا أستطيع إلا التحمل.»
تمر الأيام ثقيلة.
وهذا ما أسميه هنا:
صبرًا بألم
ليس لأن الألم نفسه خطأ.
بل لأن الإنسان يحمل الألم وهو لا يرى أمامه معنى أو اتجاهًا.
وأخرى قد تمر بألم حقيقي أيضًا.
لا نجمّله.
ولا ننكره.
لكنها تقول:
«هذه مرحلة صعبة، وأنا أعرف ما الذي أحاول أن أحفظه أو أصل إليه من خلالها.»
فتبقى المشقة مشقة.
لكنها أصبحت مرتبطة بمعنى.
وهذا ما أسميه:
صبرًا بأمل
ليس أملًا ساذجًا بأن كل شيء سيحدث كما تريد.
بل وجود وجهة تجعلها تعرف لماذا تواصل.
لا.
لا أريدكِ أن تفرضي قصة جميلة على كل ألم.
ولا أن تقولي عن كل خسارة:
«أكيد حدثت لسبب أعرفه.»
هناك أشياء لا نعرف لماذا وقعت.
وقد لا نعرف.
أنا لا أتكلم عن تفسير لماذا وقع كل شيء.
أنا أتكلم عن سؤال آخر:
وأنا أمام ما وقع...
ماذا أريد أن يكون
مصدر فعلي الآن؟
هذا الجزء يخصكِ.
قد لا أعرف لماذا حدث.
لكنني أستطيع أن أسأل:
كيف أريد أن أكون وأنا أعبره؟
لا.
وأريد أن ننتبه هنا أيضًا.
قد أشعر بحماس شديد لشيء خاطئ.
قد أرغب في قرار لأنه يريحني الآن ويؤذيني لاحقًا.
وقد أسمّي اندفاعي:
«إحساسًا داخليًا.»
لذلك الإلهام في هذا الكتاب لا يعني أن الفعل صحيح لمجرد أنني أشعر به من الداخل.
ما أشعر به يحتاج أن يُعرض على:
الحقيقة التي أراها.
قيمي.
مسؤوليتي.
وما أعرفه من حدود الله.
فأنا لا أبحث عن شعور جميل فقط.
أبحث عن فعل أستطيع أن أقف خلفه بصدق.
قد أقوم بالفعل نفسه...
لكن علاقتي به تختلف.
أصلي...
وأنا أريد فقط أن «أنتهي».
أو أصلي وأنا أستعيد وجهتي.
أبر والديَّ...
لأنني أخاف لوم الناس.
أو أبرهما لأنني أرى للبر قيمة وحقًا، حتى عندما يكون فيه مشقة.
أعتذر...
فقط لكي ينتهي النزاع.
أو أعتذر لأنني رأيت خطئي ولا أريد أن أبرر نفسي.
الفعل الخارجي مهم.
لكن هذا الفصل يسأل عما يحدث في الداخل وأنا أفعله.
لا لكي أفتش في نفسي حتى أشك في كل خير أقوم به.
بل لكي يصبح فعلي أكثر صدقًا مع ما أقول إنني أؤمن به.
اختاري شيئًا تفعلينه كثيرًا.
رعاية.
عمل.
خدمة.
عطاء.
علاقة.
قرار.
واسألي:
لو لم يمدحني أحد على هذا... هل سيتغير شيء داخلي؟
لو غضب شخص لأنني لم أفعله... هل هذا هو السبب الحقيقي الذي يدفعني إليه؟
لو لم أحصل على المقابل الذي أنتظره... هل سأقول: «بعد كل ما قدمت»؟
لا تحكمي على الإجابة.
راقبيها.
فقد تكتشفين أن فعلًا جميلًا يحمل داخله مصدرين معًا.
حبًا...
وخوفًا.
عطاءً...
وحاجة إلى الاعتراف.
رغبة في الخير...
ورغبة في أن أبدو جيدة.
الإنسان ليس دائمًا بهذه البساطة.
ولا نحتاج أن نصبح نقيات تمامًا قبل أن نفعل الخير.
نحتاج فقط أن نزداد صدقًا فيما يحركنا.
حين تحتارين في مصدر فعل ما، اسألي:
إذا لم أخف من رد فعل أحد... هل سأظل أختار هذا؟
إذا لم يرني أحد... هل يبقى له معنى عندي؟
هل أفعله لأنني أراه صحيحًا، أم فقط لأنني لا أستطيع تحمل رفض الآخرين لي؟
هل أستطيع أن أفعله دون أن أحوله لاحقًا إلى دين على من قدمته له؟
وإذا كان واجبًا عليَّ، هل أستطيع أن أستعيد المعنى الذي يجعلني أحمله بوعي بدل أن أعيشه كعقوبة؟
قد لا تعطيكِ الأسئلة جوابًا سريعًا.
لا بأس.
أحيانًا يكفي أن تكتشفي:
آه...
لهذا أنا متعبة
رغم أنني أنا التي اخترت.
اختاري فعلًا يتكرر في حياتكِ وتشعرين أنه يستهلككِ.
قد يتغير الفعل نفسه.
وقد يبقى الفعل...
وتتغير حدوده.
أو طريقته.
أو توقعاتي من الآخرين بعده.
هذه واحدة من أهم النقاط.
لا تهدمي الفعل الصالح لأنكِ اكتشفتِ أن داخله شيئًا يحتاج إلى تربية.
إذا كنتِ تقومين بحق...
فلا يعني ذلك أن تتوقفي عنه حتى تصبح دوافعكِ مثالية.
ربما المطلوب أن يبقى الفعل...
ونعمل على المصدر.
أن أبر... لكن أتوقف عن تحويل البر إلى إلغاء لنفسي.
أن أعطي... لكن أتعلم ألا أجعل العطاء عقدًا صامتًا.
أن أتحمل مسؤولية... لكن دون أن أجعل قيمتي معلقة بأن أكون دائمًا «التي لا تقصر».
أن أخدم... لكن أعرف متى أصبحت الخدمة خوفًا من خسارة القبول.
وهنا يبدأ العطاء نفسه في كشفنا.
كلما أعطيت شيئًا...
وقتًا.
جهدًا.
مالًا.
صبرًا.
تنازلًا.
خدمةً.
كلمةً.
يتولد سؤال:
ما الذي خرج مني مع هذا العطاء؟
هل خرج فقط ما أراه؟
أم خرج معه شيء لا يظهر للناس؟
توقع؟
خوف؟
رجاء؟
حب؟
رغبة في القبول؟
رغبة في القرب من الله؟
وهنا وصلتُ معكِ إلى باب لا أريد أن أمر عليه بسرعة.
لأن الإنسان قد يقدم الفعل نفسه...
لكن ما يحمله الفعل من الداخل ليس واحدًا.
وهناك قصة قديمة جدًا...
وضعت هذا السؤال أمام الإنسان بصورة لا يمكن تجاهلها:
قربانان قُدِّما...
لكن لم تكن القصة في ما قُدِّم فقط.
سؤال يبدو بسيطًا.
لأنني أحب.
لأن هذا واجبي.
لأنهم أهلي.
لأن هذا خير.
لأن الله يحب الإحسان.
لأنني إنسانة لا أستطيع أن أرى من أحب يحتاج شيئًا وأقف متفرجة.
كلها إجابات جميلة.
لكن... هل هذه كل الإجابة؟
...
ربما أعطي لأنني أحب.
وأخاف أيضًا.
أعطي لأنني أريد الخير.
وأريد أن أُقدَّر أيضًا.
أعطي لوجه الله.
ثم أشعر في داخلي بشيء حين لا يشكرني أحد.
فأتساءل:
هنا لا أريدكِ أن تحاكمي نفسكِ.
أريد فقط أن نقترب أكثر.
لأن العطاء لا يكشف فقط ما نقدمه.
أحيانًا يكشف أيضًا...
من أين نقدمه.
يروي القرآن لنا نبأ ابني آدم.
وهما المعروفان في الموروث التفسيري باسم قابيل وهابيل.
قدّم كلاهما قربانًا.
وتخبرنا الآية أن قربان أحدهما تُقبّل، والآخر لم يُتقبّل.
ثم جاءت الجملة التي توقفني كلما قرأتها:
وهنا...
لا أريد أن أضع على القصة تفاصيل لم يقلها القرآن.
لا أعرف من الآية وحدها كل ما دار في نفس كل واحد منهما.
ولا أريد أن أحولها إلى تحليل نفسي جاهز.
لكن القرآن أعطانا كلمة لا يمكن تجاوزها:
التقوى.
وهذا وحده يكفي ليفتح السؤال:
إذا كان الفعلان من الخارج متشابهين...
فهل قيمة الفعل عند الله تُختصر فيما ظهر منه؟
لا.
هناك ما هو أعمق من شكل العطاء.
وهنا سأترك النص القرآني في مكانه...
وأعود إليكِ أنتِ.
امرأتان تتصدقان بالمبلغ نفسه.
من الخارج: الفعل واحد.
امرأتان تخدمان أسرتيهما.
من الخارج: الخدمة واحدة.
امرأتان تعتذران.
الكلمة نفسها:
«أنا آسفة.»
لكن هل يعني هذا أن التجربة الداخلية واحدة؟
قد تعتذر واحدة لأنها رأت خطأها.
وتعتذر الأخرى فقط لأنها تخاف أن تُترك.
قد تعطي واحدة وهي لا تريد إلا الخير.
وتعطي أخرى...
ثم تبدأ في داخلها قائمة غير مكتوبة:
لم تقلها بعد.
لكن الحساب مفتوح.
هل تعرفين هذا النوع من الحسابات؟
ليس له تطبيق على الهاتف...
لكنه دقيق جدًا!
سمعتُ هذه الجملة كثيرًا.
وربما قلتِها أنتِ.
«أنا فعلت كل شيء من أجلهم.»
ثم يأتي بعدها غالبًا:
«وفي النهاية...»
عند كلمة:
«وفي النهاية.»
ماذا كنتِ تنتظرين أن تكون النهاية؟
أن يقدّروا؟
أن يطيعوا؟
أن يعطوكِ كما أعطيتِهم؟
أن يختاروا الحياة التي أردتها لهم؟
أن يقولوا أمامكِ وأمام الناس: «لولاها ما كنا شيئًا»؟
ربما لم تقولي هذا لنفسكِ يومًا.
لكن الغضب الذي يأتي بعد العطاء قد يكشف أحيانًا...
عقدًا صامتًا.
أنا أعطيك...
وأنت سترد بطريقة معينة.
أنا أضحي...
وأنت ستعرف قيمتي.
أنا أقف معك...
وأنت لن تخذلني أبدًا.
وهنا المشكلة ليست أن التوقعات كلها خاطئة.
العلاقات فيها حقوق متبادلة.
والامتنان جميل.
والوفاء قيمة.
لكن السؤال هو:
لأن التوقع المعلن يمكن الحديث عنه.
أما العقد الصامت...
فنحاسب الآخرين على شروط لم نخبرهم بها.
لا.
لنحوّل الكتاب إلى حياة بشرية، لا إلى شعارات.
هناك علاقات لها حقوق.
الزوجان بينهما حقوق.
الأبناء لهم حقوق.
والوالدان لهما حقوق.
والعمل فيه اتفاق واضح على مقابل.
والصداقة التي لا تعرف إلا الأخذ تحتاج أن تُراجع.
هذا ليس ما نتحدث عنه.
أنا أسأل عن المصدر.
هل أعطي لأن هذا ما أراه حقًا وخيرًا؟
أم أعطي حتى أشتري شيئًا لا أطلبه بصراحة؟
حبًا؟
أمانًا؟
قبولًا؟
مكانة؟
تجنّبًا للهجر؟
إثباتًا لقيمتي؟
هنا يصبح العطاء مرآة.
أعطيتُ وقتًا.
جميل.
ماذا خرج معه؟
أعطيتُ مالًا.
ماذا خرج معه؟
سامحتُ.
ماذا خرج مع المسامحة؟
بقيتُ إلى جانب شخص في محنته.
ماذا خرج مع بقائي؟
قد يخرج:
حب.
رحمة.
وفاء.
تقرّب إلى الله.
وقد يخرج معها أيضًا:
خوف.
تعلق.
رغبة في الاعتراف.
حاجة إلى أن أكون ضرورية.
لا يعني ظهور شيء من هذا أن عطائي كله فاسد.
الإنسان أعقد من ذلك.
لكن كلما رأيتُ مصدرًا لم أكن أراه...
أصبح أمامي شيء أستطيع أن أربيه.
قد تقولين:
«إذن الأفضل ألا أعطي حتى أنظف نيتي تمامًا.»
لا.
لو انتظرنا صفاءً كاملًا قبل كل خير...
قد ننتظر طويلًا جدًا.
نحن نتعلم ونحن نتحرك.
قد أفعل الخير...
وأكتشف وأنا أفعله أن داخلي حاجة إلى المدح.
لا ألغي الخير.
أنتبه إلى الحاجة.
قد أخدم...
وأكتشف أنني أستخدم الخدمة حتى أشعر بأنني لا يمكن الاستغناء عني.
لا أتحول غدًا إلى إنسانة لا تساعد أحدًا.
أسأل:
وهكذا يصبح الفعل نفسه ميدانًا أعرف فيه شيئًا عن نفسي.
هنا أريد أن أكون دقيقة.
القربان في القصة القرآنية له سياقه ومعناه.
ولن أستخدم الكلمة لأجعل كل فنجان قهوة نقدمه في البيت «قربانًا» بالمعنى الشرعي.
لكن القصة فتحت لي نافذة أتأمل منها في ما أقدمه في حياتي.
فكل ما أقدمه يمكن أن يكشف لي:
هل أعطي وأنا حرة؟
هل أعطي وأنا خائفة؟
هل أعطي وأنا أتقرب إلى الله؟
هل أعطي وفي يدي فاتورة خفية؟
قبل أن تعطي شيئًا كبيرًا...
أو عندما تجدين نفسكِ غاضبة بعد عطاء طويل...
توقفي.
واسألي:
ماذا أقدم؟
ثم:
لمن أقدمه؟
ثم الأهم:
قد تجدين أكثر من إجابة.
اكتبيها كلها.
لا نحتاج هنا إلى إجابة مثالية.
نحتاج إلى إجابة صادقة.
طبيعي.
أحيانًا نكتشف المصدر بعد الفعل.
خصوصًا عندما لا تأتي النتيجة كما أردنا.
وهذه لحظة كاشفة جدًا.
قد أقول:
«أنا فعلت هذا لوجه الله.»
ثم لا يحدث ما تمنيت...
فأغضب من الشخص.
أو من الحياة.
أو أشعر أن ما فعلته «ضاع».
هذا لا يعني تلقائيًا أن نيتي كانت سيئة.
لكن رد الفعل يستحق أن أسأله:
أحيانًا لا نعرف ما ربطناه بالعطاء...
حتى لا نحصل عليه.
تساعدين صديقة في أزمة.
تقفين معها.
تسمعينها ساعات.
تذهبين معها في مشوار.
تفعلين ذلك بمحبة.
تمر الأشهر.
ثم تأتي أزمة عندكِ.
تتصلين بها.
لا تجيب.
تحاولين مرة أخرى.
ترسل رسالة مختصرة:
«آسفة، مشغولة جدًا.»
تشتعل جملة في داخلكِ:
مفهوم جدًا.
قد تكون الصديقة مقصرة فعلًا.
وقد تحتاج العلاقة إلى مراجعة.
لكن قبل أن تذهبي إليها...
تعالي دقيقة إلى الجملة.
«وأنا يوم احتاجتني كنت موجودة.»
ماذا تقول لكِ؟
ربما تقول:
وهل هذا التوقع غير مشروع؟
ليس بالضرورة.
لكن هل كنتِ تعرفين أنكِ تحملينه؟
وهل ساعدتِها لأنكِ اخترتِ مساعدتها...
أم لأنكِ كنتِ تضعين رصيدًا في بنك العلاقة؟
قد تكون الإجابة: الاثنان.
وهنا تبدأ الصراحة.
أريدكِ أن تنتبهي حتى لا نذهب إلى الطرف الآخر.
لا أريدكِ قبل كل فعل جميل أن تتوقفي عشرين دقيقة وتفتشي:
لن نعيش هكذا.
الفكرة أبسط.
حين يتكرر الألم بعد عطائكِ...
حين تشعرين أنكِ دائمًا «تعطين أكثر»...
حين تبدأ جملة:
«بعد كل ما فعلت...»
قد يكون هناك شيء يريد أن يُرى.
اختاري شيئًا
تقدّمينه باستمرار.
لأسرتكِ، أو زوجكِ،
أو أبنائكِ، أو صديقتكِ،
أو عملكِ، أو خدمة تقومين بها.
قد تخرجين من هذا الفصل وأنتِ تقولين:
حسنًا.
رأيتُ الخوف.
رأيتُ التوقع.
رأيتُ حاجتي إلى القبول.
رأيتُ أنني أعرف شيئًا بعقلي...
ثم أفعل شيئًا آخر.
لكن عندي سؤال.
ومن الذي أقول عنه:
«أنا»؟
ممتاز.
وصلنا.
لأننا حتى الآن كنا نراقب ما يخرج منكِ.
ردة الفعل.
الخوف.
الاختيار.
الدافع.
العطاء.
لكننا لم ندخل بعد إلى منظومة القيادة الداخلية نفسها.
ومن هنا ستتغير طبيعة الرحلة.
لن نسأل فقط:
ماذا أفعل؟
سنبدأ بالسؤال:
كم مرة قلتِ:
«أنا أعرف.»
أعرف أن الصراخ لن يحل المشكلة...
ثم أصرخ.
أعرف أن الرد في ذروة الغضب سيزيد الأمر سوءًا...
ثم أرسل الرسالة.
أعرف أنني بحاجة إلى وضع حد...
ثم أقول «نعم» مرة أخرى.
أعرف أن هذا التفكير يرهقني...
ثم أقضي الليل أدور حول الفكرة نفسها.
وهنا يظهر سؤال مزعج قليلًا:
هل هناك اثنتان بداخلي؟
بالطبع لا.
لكن تجربتكِ الإنسانية ليست صوتًا واحدًا بسيطًا كما تبدو.
هناك جسد يستجيب.
وذاكرة تتذكر.
وعقل يفسر.
ومشاعر تتحرك.
وخوف يظهر.
ورغبة تريد شيئًا.
وقيمة تذكركِ بشيء آخر.
وأنتِ تسمين كل هذا بكلمة واحدة:
«أنا»
ربما حان الوقت أن نفكك هذه الـ«أنا» قليلًا.
لن أطلب منكِ حفظ تعريفات.
ولن أحولكِ إلى طالبة علم أعصاب.
ولن أضع الإنسان في خمسة صناديق ثم أقول:
«انتهينا... هكذا يعمل الإنسان.»
نحن أعقد من ذلك.
لكننا نحتاج إلى خريطة.
والخريطة ليست المدينة...
لكنها تساعدكِ ألا تضيعي فيها.
هذه ليست كيانات منفصلة تجلس داخلكِ وتتجادل حول الطاولة.
إنها مداخل نقرأ بها تجربتكِ.
لنبدأ بما نستطيع لمسه فعلًا.
الدماغ.
عضو مادي في جسدكِ.
ويشارك في وظائف كثيرة: التعلم، والذاكرة، والانفعال، والانتباه، واتخاذ القرار، وتكوين العادات.
لكن ما يهمنا هنا شيء بسيط جدًا:
إنه يتعلم.
ويستفيد من الخبرة السابقة.
ومع تكرار بعض السلوكيات في سياقات متشابهة، قد تصبح أكثر ألفة وتلقائية..
وهذه نعمة.
تخيلي لو احتجتِ كل صباح أن تتعلمي من جديد كيف تمسكين الكوب.
لكن الميزة نفسها قد تصبح مشكلة...
حين يصبح المألوف نمطًا لم يعد يخدمكِ.
ومع الوقت، قد تتكرر استجابات لأنها أدت لديكِ وظيفة ما في مواقف سابقة. مثلًا، قد يصبح:
الصمت = قد يحميني من الصدام..
إرضاء الآخرين = قد يخفف خوفي من الرفض. .
رفع الصوت = قد يصبح طريقتي حتى أُسمع. .
السيطرة = قد تكون محاولة لتقليل المفاجآت..
الانسحاب = قد يحميني مؤقتًا من الألم.
ثم تمر السنوات.
وتتغير الظروف.
لكن الطريق القديم يبقى مألوفًا.
ولهذا قد تقولين:
لأن معرفة البديل الجديد لا تعني أن الاستجابة القديمة فقدت تلقائيتها فورًا....
لكن القديم ما زال مألوفًا.
إذا كان نمط ما يؤدي عندكِ وظيفة...
فإن مجرد قول:
«سأتوقف.»
قد لا يكون كافيًا.
ليس لأن النمط أقوى منكِ...
بل لأنكِ قد تكونين ما زلتِ تحتاجين إلى الشيء الذي كان يساعدكِ على الحصول عليه.
إذا اكتشفتِ أن إرضاء الآخرين يخفف لديكِ الخوف من الرفض...
فما الأمان الذي تحتاجين أن تبنيه بطريقة أخرى؟
وإذا كان الغضب قد أصبح عندكِ طريقة لحماية الحدود...
فما الطريقة الأهدأ والأوضح التي تستطيع أن تحميها؟
وإذا اكتشفتِ أن محاولتكِ للسيطرة تخفف مؤقتًا خوفكِ من المجهول...
فما الذي يساعدكِ على تحمّل مساحة لا تعرفينها؟
هنا لا أبحث عن اقتلاع السلوك فقط.
أبحث أيضًا عمّا سيحل مكانه.
صحيح.
وهنا نحتاج أن نفصل بين أشياء نستعمل أسماءها وكأنها شيء واحد.
تخيلي طفلة ترى نارًا.
تقول لها أمها:
«النار تحرق»»
وصلت المعلومة.
لكن هل عرفت الطفلة حقيقة النار بمجرد سماع الجملة؟
ليس بالضرورة.
قد ترى أثر النار على شيء أمامها.
قد تلاحظ ما يحدث حين تقترب منها.
وقد تتعلم من تجربة شخص آخر.
لا تحتاج في كل مرة أن تحترق بنفسها حتى تتعلم.
المعلومة قالت:
النار تحرق.
لكن الرحلة لم تنتهِ.
هذا السلم هو نموذج عملي في منظومة «هل انتبهت؟».
لا أقدمه كتصنيف علمي عالمي يجب أن يمر به كل إنسان بالطريقة نفسها.
أقدمه كخريطة.
المعلومة:
شيء وصل إليَّ.
التركيز:
وجّهتُ نظري إليه.
الانتباه:
التقطتُ ما يحدث.
الإدراك:
فهمتُ العلاقة والمعنى.
والوعي:
الوعي ليس هو الاختيار نفسه.
قد أعرف حقيقة شيء...
ثم أحتاج إلى شجاعة، أو تدريب، أو وقت، أو مساعدة حتى أعيش وفق ما عرفت.
ولهذا لا أريد أن نقول:
«ما دمت واعية... فسأتصرف دائمًا بطريقة مثالية.»
لا.
الوعي يجعل الحقيقة معروفة لي.
وقد يفتح أمامي إمكانية اختيار لم أكن أراها.
ثم يأتي السؤال:
ماذا سأفعل بما عرفت؟
الآن نأتي إلى كلمة نستعملها كل يوم:
العقل.
في هذا الكتاب، سأستخدمها للإشارة إلى مجال التفكير والتفسير والربط والاستنتاج.
ولا أستخدم كلمة «العقل» هنا اسمًا لعضو منفصل عن الدماغ، بل كتسمية عملية لمجموعة من عمليات التفكير والتفسير والربط.
يحدث موقف.
لكننا لا نستقبل الموقف فقط.
نعطيه معنى.
أرسلتِ رسالة إلى شخص قريب.
مرت ساعتان ولم يرد.
هذه معلومة عن حدث.
ثم يظهر العقل:
«يتجاهلني.»
«ربما مشغول.»
«فعلها عمدًا.»
«سأنتظر حتى أعرف.»
لاحظي.
الحدث لم يتغير.
لكن تجربتي قد تتغير مع المعنى الذي أعطيه لما حدث.
أريدكِ أن تتعلمي فصلها.
أحيانًا نعتقد:
«أنا أفكر بمنطق.»
لكن الذي حدث قد يكون أكثر طرافة.
الخوف وصل أولًا إلى النتيجة:
«سيتركني.»
ثم سلّم الملف إلى العقل وقال:
«هاتِ الأدلة.»
فيبدأ العقل:
ألم تلاحظي كيف تكلم؟
هل رأيتِ أنه لم يتصل؟
تذكري ما حدث المرة الماضية.
واضح جدًا... الأمر محسوم!
فيبدو لي أنني حللت الموقف.
بينما السؤال الحقيقي:
اختاري موقفًا قريبًا
ما زال فيه شيء من الغموض.
لا تبحثي عن تفسير يريحكِ.
ابحثي عما تعرفينه فعلًا.
«لكن من أين جاءت القصة أصلًا؟»
سؤال جيد.
لأن العقل لا يعمل في فراغ.
هناك أشياء تمده بالمواد.
وفي لحظات كثيرة...
تعمل ثلاث أدوات معًا.
لا أصف هنا ترتيبًا عصبيًا ثابتًا. هذه عدسة عملية أستخدمها لتفكيك ما قد يحدث في لحظة واحدة.
تخيلي أنكِ تنتظرين ردًا من شخص مهم.
تأخر.
قد تستدعي الذاكرة موقفًا قديمًا.
تتذكر موقفًا قديمًا شعرتِ فيه بالرفض.
وقد يبدأ الخيال ببناء احتمالات لما قد يحدث.
يبدأ بعرض ما قد يحدث غدًا:
«سيتغير... سيبتعد... سأبقى وحدي.»
وقد يبدوقد يبدأ التفكير في الربط بين ما أتذكره وما أتوقعه..
يبدأ بربط الأمس بالغد.
ويجمع الحجج.
ويشرح لكِ لماذا السيناريو الذي تخيلته منطقي جدًا.
وأنا؟
ما زلت جالسة في الحاضر.
الآن نقترب من مساحة أخرى.
أعرف بعقلي أن شيئًا لا يناسبني...
لكنني أريده.
أعرف أنني لا أستطيع إجبار شخص على البقاء...
لكنني أريد ضمانًا أنه لن يتركني.
أعرف أن وضع حد قد يكون صحيحًا...
لكنني أخاف أن يغضبوا مني.
أعرف أنني لا أحتاج إلى إثبات نفسي...
لكن شيئًا في داخلي ما زال يريد أن يُرى.
هنا نقترب من مفهوم:
لا باعتبارها عدوًا...
بل مساحة تحتاج أن تُفهم وتُربّى.
عندما تسمعين كلمة «النفس»...
قد يتبادر إلى ذهنكِ شيء ينبغي قمعه.
أو محاربته.
أو التخلص منه.
لكنني لا أريد أن ندخل إليها بهذه الفكرة.
النفس ليست مرادفًا للشر.
وليست عدوًا يسكن داخلكِ.
وفي خريطة هذا الكتاب، سأستخدم كلمة «النفس» للإشارة إلى مساحة تتحرك فيها:
وهي تستطيع أن تتعلم.
ولهذا... لا أريد أن أحاربها.
نقرأ في القرآن عن نفس أمّارة بالسوء...
ونفس لوّامة...
ونفس مطمئنة.
ولا أريد أن أحول هذه الأوصاف القرآنية إلى مراحل نفسية علمية ثابتة أزعم أن الإنسان يمر بها دائمًا بالترتيب نفسه.
هذا ليس ما أقصده.
ما أريد أن أراه هو معنى أقرب:
وهذا يهمنا جدًا...
لأنني لست مضطرة أن أطيع كل ما يتحرك داخلي.
في حالة ما...
يظهر الشعور، ويتبعه الفعل مباشرة.
غضبتُ...
فأصرخ.
خفتُ...
فأتراجع.
اشتهيتُ...
فأندفع.
تألمتُ...
فأؤذي.
هنا يكون الفاصل بين الشعور والفعل ضيقًا جدًا.
ويصبح ما أريده أو أخشاه الآن...
أعلى صوتًا من كل ما عداه.
أفعل...
لكنني لا أمر فوق فعلي وكأنه لم يحدث.
لماذا فعلتُ ذلك؟
هل كان يمكن أن أختار بطريقة أخرى؟
هذه مساحة أقرب إلى معنى النفس اللوّامة.
ليس لأنها تحتقر نفسها.
بل لأنها لم تعد تمر فوق أفعالها...
دون أن تراها.
يظهر الشعور...
لكنني لا أتحول إليه بالكامل.
أرى الشعور.
أفهم ما الذي أثاره.
أعرف ما الذي يريد أن ينبهني إليه.
ثم أختار.
ليس لأن الشعور اختفى...
بل لأنني لم أعد أخلط بين:
«أنا أشعر بهذا»
و
«إذن يجب أن أفعله.»
لا أريدكِ أن تخجلي من رغبتكِ.
ولا من خوفكِ.
ولا من احتياجكِ.
ولا أن تقولي:
«يجب أن أتخلص من كل هذا.»
الغاية مختلفة.
وحين أقول: لا تُحارب... لا أقصد أن أترك النفس تفعل كل ما تريد، ولا أن ألغي معنى مجاهدتها وتهذيبها.
أقصد ألا أحولها إلى عدو أكره وجوده.
فالتربية فيها ملاحظة، ومحاسبة، وتهذيب...
أن تتعلم الرغبة ألا تكون أمرًا.
وأن يتعلم الخوف ألا يكون قائدًا.
وأن تصبح المشاعر إشارات أستمع إليها وأفحصها...
لا أوامر تُنفذ.
السكينة ليست أن تختفي المشاعر.
وليست أن تتوقفي عن الرغبة.
وليست أن يصبح كل شيء من حولكِ كما تريدين.
والقرآن يذكر النفس المطمئنة.
ولا أريد أن أحول هذا الوصف القرآني إلى تعريف نفسي أصنعه من عندي.
لكنني أستفيد منه هنا كتأمل عملي:
ألا أجعل تقلبات اللحظة مرجعي الوحيد.
وأن يكون لي مرجع أعود إليه حين تتقلب نفسي.
وأول ما أريد أن أفعله هنا...
هو أن أتوقف عن تعريف ما لا أملك أن أعرّفه.
فالروح ليست مفهومًا نفسيًا سأختصره لكِ في عدة أسطر.
والقرآن نفسه يضع أمامنا حدًا:
لذلك لن أتكلم عن ماهية الروح.
ما أستطيع أن أقترب منه في هذا الكتاب...
هو الوجهة الروحية.
حين تتقلب رغبتي...
ويتغير رأي الناس...
ويعلو الخوف...
وتغضب نفسي...
ما المرجع الذي يعيدني إلى الاتجاه؟
هنا أتذكر جملة أبي، رحمه الله:
حين كنت أصغر، سمعتها حرية.
وكلما كبرت...
رأيتُ المرجع داخل الحرية.
ليس هناك اختيار بلا وجهة.
ولا وجهة تلغي الاختيار.
لا أريد أن أختزل العبادة في أثر نفسي.
فالعبادة عبادة لله، ولها معناها الشرعي الذي لا يصح اختزاله في «الشعور الأفضل».
لكنني أستطيع أن أسأل نفسي:
هل أتعلم منها ؟
الرحمة؟
الصدق؟
التواضع؟
ضبط نفسي؟
أن أراجع نيتي؟
هل أتعلم ألا أربط سلامي بكل ما يتغير حولي؟
ليس لأن العبادة مجرد وسيلة لإصلاح مزاجي.
بل لأن علاقتي بالله ينبغي أن يكون لها موضع حقيقي في الطريقة التي أعيش بها.
هذه نقطة مهمة.
لا أريد أن تنتهي من هذا الفصل وأنتِ تتخيلين داخلكِ حربًا بين:
الصورة أعمق من ذلك.
النفس تحتاج أن تُربّى.
والعقل يحتاج أن يتحقق من المعنى الذي يصنعه.
والدماغ يحمل مسارات تعلمها.
والوجهة الروحية تعيدني إلى مرجع أكبر من تقلب اللحظة.
والوعي...
يجعل حقيقة ما يحدث أكثر ظهورًا لي.
ليس فوق الدماغ كقائد منفصل.
وليس عضوًا إلى جانب العقل والنفس.
ولا صوتًا غامضًا يخبرني دائمًا بما يجب أن أفعل.
ثبّتْنا في هذا الكتاب معنى الوعي:
أعرف أن خوفي موجود.
وأعرف أنه ليس الحقيقة كلها.
أعرف أن عقلي صنع تفسيرًا...
وأفرق بين تفسيره وبين ما أعرفه يقينًا.
أعرف أن نفسي تريد شيئًا.
لكن رغبتها لا تتحول تلقائيًا إلى أمر.
وأعرف أن لي مرجعًا ووجهة لا يتغيران مع كل تقلب داخلي.
عندها...
قد تظهر أمامي مساحة اختيار لم أكن أراها.
لذلك الاختيار ليس تعريف الوعي.
لكنه قد يكون إحدى ثماره.
وهذا يعيدنا إلى بداية الفصل.
قلت:
«أنا أعرف... ومع ذلك أفعل العكس.»
الآن صار السؤال أكثر دقة:
رأيتِ كيف يتعلم الدماغ مساراته.
وكيف يصنع العقل المعنى.
وكيف تعيد الذاكرة الماضي.
وكيف قد يسقطه الخيال على المستقبل.
وكيف ترغب النفس وتخاف وتتعلق.
وكيف تحتاج إلى أن تُربّى... لا أن تُحارب.
وكيف تعيدكِ الوجهة الروحية إلى مرجع أكبر من تقلب اللحظة.
وعرفتِ أن الوعي لا يعني أن تختفي كل هذه الحركة.
بل أن تعرفي حقيقة ما يجري.
لكن بقي السؤال الأهم.
لأن المعرفة قد تضيء لكِ الطريق...
لكنها لا تمشيه عنكِ.
والوعي قد يكشف حقيقة الأمر...
لكن يبقى عليكِ أن تعيشي وفق ما عرفتِ.
لم نعد نسأل فقط:
مَن الذي يقودني من الداخل؟
بل:
وهنا تبدأ مرحلة جديدة من الرحلة.
من الوعي...
إلى العيش.
وصلتُ إلى مكان أعرف فيه أشياء كثيرة عن نفسي.
أعرف أن عقلي قد يصنع قصة.
وأن نفسي قد تخاف أو تتعلق.
وأن دماغي يحب الطريق المألوف.
وأن لديَّ مرجعًا أعود إليه.
وأعرف أن الوعي هو معرفة حقيقة الأمر.
جميل.
لكن الساعة الثامنة صباحًا...
والطفل تأخر.
والهاتف يرن.
وهناك رسالة أزعجتني.
والعمل ينتظر.
أين ذهبت كل هذه المعرفة؟
قبل أن أتحرك...
أحتاج أن أعرف إلى أين أريد أن أتجه.
وهنا تأتي:
في هذا الفصل، أريد أن تنظري إلى النية كاتجاه.
مثل البوصلة.
لا تحملكِ إلى المكان وحدها.
لكنها تخبركِ: إلى أين تعودين.
وهذا مختلف عن مجرد الأمنية.
الأمنية:
«أتمنى أن أصبح هادئة.»
النية:
«حين أغضب، سأعيد نفسي إلى الطريقة التي أريد أن أكون بها.»
الأمنية:
«أتمنى أن تتحسن علاقتي.»
النية:
«سأدخل هذه العلاقة بصدق وحدود ورحمة، وأتعلم ما أحتاج إلى تعلمه.»
الأمنية:
«أتمنى أن أكون أقرب إلى الله.»
النية:
«سأعيد أفعالي اليوم إلى هذه الوجهة.»
الأمنية تنظر غالبًا إلى ما أتمنى أن يحدث.
أما النية... فتسألني عن اتجاهي وأنا أسعى.
قد أحدد الاتجاه...
ثم تأتي ريح لم أحسب حسابها.
أو يتغير الطريق.
أو أكتشف أن ما ظننته أقصر... ليس كذلك.
فهل هذا يعني أن النية فشلت؟
لا.
لأن وظيفة النية ليست ضمان النتيجة.
وهذا فرق كبير.
هنا سأستخدم كلمة تتكرر كثيرًا:
الطاقة.
وأريد أن أوضحها من البداية.
وهذه القدرة ليست ثابتة.
أنا لا أملك المقدار نفسه كل يوم.
قدرتي تتأثر بجسدي.
بنومي.
بالضغط الذي أعيشه.
بانشغالي النفسي.
وبالطريقة التي أوزع بها انتباهي وجهدي.
لذلك أحيانًا لا تكون مشكلتي:
«أنا لا أريد.»
قد أريد فعلًا...
لكن قدرتي المتاحة منخفضة.
وهذا يحتاج إلى حكمة مختلفة.
نوم.
راحة.
مساعدة.
تقليل حمل.
أو إعادة ترتيب.
أحيانًا أقول:
«ليس لديَّ طاقة.»
لكن حين أنظر إلى يومي...
أجد جزءًا كبيرًا من قدرتي يذهب في مراقبة ردود الآخرين.
أو إعادة موقف قديم عشرات المرات.
أو محاولة التحكم في شيء لا أملكه أصلًا.
أو حمل مسؤوليات لم أطلب مساعدة فيها.
حين أقول: «تسرب طاقة»...
فأنا أستخدمها هنا كمجاز.
أعني أن قدرتي ووقتي وانتباهي تُستهلك في اتجاهات لا تخدم ما اخترته.
النية وحدها ليست حركة.
قد أعرف وجهتي بوضوح شديد...
وأبقى في مكاني.
وفي المقابل...
قد أتحرك كثيرًا دون اتجاه واضح.
فأبذل جهدًا هائلًا... ولا أعرف إلى أين أذهب.
أما حين أعرف وجهتي...
وأعرف قدر ما أستطيع حمله الآن...
ثم أبدأ بخطوة...
هنا تتحول المعرفة إلى عيش.
لكن هناك شيء أحتاج أن أخرجه من يدي.
النتيجة.
يمكنني أن أتعلم.
وأخطط.
وأسعى.
وأراجع.
وأصحح.
لكن لا أستطيع أن أوقّع عقدًا مع المستقبل يضمن لي:
«إذا فعلتُ كل شيء صحيحًا... فستأتيني النتيجة بالطريقة التي أريدها.»
وقد تقولين:
«إذا لم أضمن النتيجة... فما فائدة السعي؟»
لأن المسؤولية لا تحتاج إلى ضمان حتى تكون مسؤولية.
أنا لا أزرع لأنني أملك المطر.
أزرع لأن الزرع يقع في مساحتي.
أحب بصدق لا لأنني أضمن أن الآخر لن يتغير.
أحب بصدق لأن الصدق هو الطريقة التي اخترت أن أعيش بها.ولا أسعى لأنني أسيطر على الغد.
أسعى لأن السعي هو الجزء الذي كُلّفتُ به.
ربما خطر لكِ هذا السؤال منذ بدأنا الحديث عن الاختيار.
إذا كنتُ أختار... فأين القدر؟
لا أريد أن أدخل هنا في تفسير عقدي لمسألة القدر.
يكفيني في هذه الرحلة أن أمسك بحقيقتين معًا:
أختار.
وأسعى.
وأراجع نفسي.
وأتحمل مسؤولية ما كان في قدرتي.
لكنني لا أملك كل الأسباب.
ولا كل الظروف.
ولا أملك ضمان النتيجة.
لأن أن تختاري بعد نظر، وصدق، ومسؤولية...
لا يعني أن النتيجة ستكون مريحة.
قد تضعين حدًا صحيحًا...
ويغضب شخص تحبينه.
قد تبدئين مشروعًا بعد دراسة...
ولا ينجح كما توقعتِ.
قد تدخلين محادثة بصدق ورحمة...
ولا يستقبلها الطرف الآخر بالطريقة التي تمنيتِ.
النتيجة قد تكشف أحيانًا شيئًا لم تكوني ترينه.
وقد تدعوكِ إلى تعديل الطريق.
أو زيادة المعرفة.
أو الاعتراف بأن بابًا لم يعد مناسبًا.
تأتي هذه الآية في سياق قرآني يتحدث عن فرض القتال.
وأنا لا أنقل حكم هذا السياق إلى كل ما يحدث في حياتي.
لكنني أستحضر خاتمة معناها هنا لتذكرني بحد معرفتي:
لا أقرأ الآية لأقول إن كل شيء أكرهه هو بالضرورة خير خفي أستطيع تحديده.
بل لأتذكر أن معرفتي محدودة.
وأن النتيجة التي لم أفهمها اليوم...
لا تعطيني الحق أن أدّعي أنني أحيط بالصورة كلها.
في هذه الرحلة، حين أتكلم عن الرضا...
لا أقصد به:
«لا أفعل شيئًا... وما كُتب سيحدث.»
هذا ليس ما نتحدث عنه.
ولا أقصد به أنني لا أحزن.
أو عدم اعتراض على ظلم.
أو ترك الأسباب.
يمكنني أن أسعى بكل ما أملك...
ثم لا أجعل سلامي رهينة أن تأتي النتيجة كما رسمتُها.
هنا تلتقي المسؤولية بالسكينة.
ستنسين.
وستعودين أحيانًا إلى نمط قديم.
وقد تقولين نعم ثم تنتبهين أنكِ كنت تريدين لا.
وقد تروين قصة ثم تكتشفين أنها كانت تفسيرًا.
وقد تندفعين...
ثم تنتبهين بعد الفعل.
لا أريد أن يصبح الوعي مشروع كمال جديدًا.
وربما يصبح الفرق مع الوقت...
أن المسافة بين الغفلة والانتباه أصبحت أقصر.
اختاري موقفًا واحدًا
تعيشينه الآن.
لا تختاري حياتكِ كلها.
هذه هي الممارسة.
ليس لأنني لم أعد أخطئ.
ولا لأنني أصبحت هادئة أربعًا وعشرين ساعة.
ولا لأن جميع علاقاتي أصبحت سهلة.
التغيير أهدأ من ذلك.
ربما أغضب...
لكنني ألتقط غضبي أسرع.
ربما أعود إلى نمط قديم...
لكنني لا أبقى فيه بالمدة نفسها.
ربما أخطئ...
لكنني أراجع دون أن أحول الخطأ إلى هوية.
وربما لا تتغير الظروف بعد...
لكن موقعي منها لم يعد كما كان.
والآن...
بعد كل هذه الرحلة...
ظهر سؤال أكبر من كل الأدوات.
أكبر من ردود الفعل.
وأكبر من النية.
وأكبر من الطاقة.
وحتى من القرارات التي أحاول أن أحسنها.
لماذا كل هذه الرحلة أصلًا؟
لماذا أنتبه؟
لماذا أربي نفسي؟
لماذا أتعلم أن أختار؟
لماذا أراجع أين يذهب عمري؟
إلى أين أمضي بكل هذا؟
هنا لم يعد السؤال فقط عن طريقة أفضل للعيش...
بل عن معنى الحياة التي أعيشها.
فالاستعداد لها يبدأ هنا...
في هذه الحياة.
لا لأن الدنيا يمكن أن تصبح جنة.
ولا لأن الإنسان إن اضطرب أو حزن فقد أخفق في رحلته.
ولا لأن السلام الداخلي شرط أضعه أنا لدخول الجنة.
لا.
أنا أتحدث عن شيء أبسط... وأعمق.
عن الحياة التي أعيشها الآن...
وعن الإنسانة التي أصبحها وأنا أعيشها.
ثم سأعيش.
لكن شيئًا ينتهي... ويبدأ شيء آخر.
فأعود وأقول:
«فقط عندما ينتهي هذا أيضًا...»
ماذا لو لم تكن الحياة شيئًا أنتظر أن أنجو منه...
بل المكان الذي أتعلم أن أعيش فيه، حتى حين لا تسير الأمور كما أريد؟
إذا جعلتُ الدنيا كل شيء...
فقد تصبح كل خسارة نهاية.
وكل رفض حكمًا على قيمتي.
وكل تأخر كارثة.
وكل نتيجة أريدها...
مسألة حياة أو موت.
وإذا عاملتُ الدنيا كأنها لا قيمة لها...
فقد أستخفّ بالمكان الذي أعيش فيه، وأعمل، وأبرّ، وأتعلم، وأتوب، وأصلح، وأسعى.
لذلك لا أريد أن أحتقر الحياة...
ولا أن أعبد نتائجها.
في بداية هذا الكتاب كنت أسأل:
أين يذهب انتباهي؟
ثم سألت:
أين يذهب جهدي؟
وبعدها:
من أين يأتي فعلي؟
والآن أرى أن كل هذه الأسئلة كانت تقود إلى سؤال أكبر:
لأن عمري لا يذهب دفعة واحدة.
يذهب يومًا...
وموقفًا...
وقرارًا...
وساعة انتباه...
أو ساعة غياب.
وهنا يعود إليَّ السؤال الذي فتحه القربان...
لكن من مستوى أوسع.
ليس فقط:
ماذا أعطيتُ اليوم؟
بل:
كم منه يذهب في حب يستحق؟
وكم منه في خوف أكرره؟
كم منه في عمل أبنيه؟
وكم منه في انتظار شخص كي يعترف بقيمتي؟
كم منه في عبادة؟
في علم؟
في إصلاح؟
في رحمة؟
وكم منه في معركة انتهت... ولم أنتهِ منها؟
نحن نسأل كثيرًا:
إلى ماذا وصلتُ؟
ماذا امتلكتُ؟
ماذا أنجزتُ؟
كم ربحتُ؟
هل نجحت العلاقة؟
هل تحقق الهدف؟
وكلها أسئلة لها مكانها.
لكن هناك سؤالًا أريد أن أضعه بجانبها:
ثم سؤالًا آخر:
من أصبحتُ وأنا أسعى؟
لأنني قد أصل إلى شيء أردته...
وأخسر في الطريق شيئًا لم أكن أريد خسارته.
لا أريد أن أنظر إلى كل مشكلة وأقول:
«أرسلها الله إليَّ حتى يعلمني كذا.»
أنا لا أملك أن أجزم بذلك.
ولا أعرف الحكمة الخاصة من كل ما يقع.
لكن ما يقع...
قد يصبح ميدانًا أتعلم فيه.
الخسارة قد تكشف لي ما كنت أعلّق عليه أماني.
والخلاف قد يكشف طريقة كلامي.
والانتظار قد يكشف علاقتي بالسيطرة.
والنجاح نفسه قد يكشف ماذا يحدث لي حين أملك.
عدنا خلال الكتاب أكثر من مرة إلى الصلاة، والبر، والعطاء، والصبر.
وهنا أريد أن يكون الفرق واضحًا.
أنا لا أعبد الله حتى أصبح فقط أكثر هدوءًا.
ولا أصلي لأنها تقنية لتنظيم مشاعري.
ولا يصبح الله وسيلة لتحقيق نسخة أفضل مني.
العبادة لله.
لكن هذا لا يمنعني أن أسأل:
ماذا صنعت في صدقي؟
في رحمتي؟
في أمانتي؟
في الطريقة التي أعيش بها بين الناس؟
الاستعداد للآخرة لا يعني أن أعيش الدنيا وكأنني واقفة في ممر بارد...
أنتظر فقط أن يُفتح الباب.
هنا أحب.
وأعمل.
وأربي.
وأتعلم.
وأفرح.
وأحزن.
وأتوب.
وأخطئ.
وأصلح ما أستطيع.
هنا موضع سعيي،.
وهنا أمضي ما أُعطيتُ من عمر..
الحياة ملككِ إن انتبهتِ.
لا يعني:
أنكِ تملكين الأحداث.
أو الناس.
أو النتائج.
أو القدر.
ولا يعني أنكِ إن انتبهتِ لن تتألمي..
معناه أقرب إلى الرحلة كلها:
ربما لا أملك كل ما يحدث في حياتي.
لكنني لست غائبة عنها.
وربما لا أضمن أين ينتهي كل طريق.
لكنني مسؤولة عن الاتجاه الذي أختاره والسعي الذي أبذله.
وربما لا أعرف الحكمة كلها فيما حدث.
لكنني أستطيع أن أرى نفسي فيه...
بدل أن أمر في حياتي غائبة عني.
وهنا يصبح العنوان مختلفًا عما كان في الصفحة الأولى.
لم يعد وعدًا بالسيطرة.
بل دعوة إلى المسؤولية.
مسؤولية أن أعرف.
وأن أختار.
وأن أسعى.
وأن أعود حين أبتعد.
ربما لم تتغير كل ظروفكِ منذ فتحتِ هذا الكتاب.
وربما لا يزال هناك شخص لا يفهمكِ.
ومشكلة لم تُحل.
وسؤال لم تجدي له جوابًا بعد.
لكن هناك شيئًا أتمنى ألا يعود كما كان:
لأنكِ حين تنتبهين...
لا تعرفين كل شيء.
لكنكِ تتوقفين عن العيش وكأنكِ لا تعرفين شيئًا.
حين أستخدم في هذا الكتاب عبارة «قانون بسلماني»، لا أقصد قانونًا علميًا مثبتًا، ولا قاعدة شرعية عامة.
بعض هذه المبادئ بدأ بسؤال عشته، ثم رأيت معناه يتكرر في مواقف مختلفة، حتى أصبح عدسة أعود إليها لفهم ما يحدث.
لذلك جمعتها في عبارات قصيرة، لا باعتبارها حقائق مغلقة لا تُناقش، بل بوصفها خلاصات عملية من منظومة «هل انتبهت؟» تساعدكِ على استحضار ما اكتشفته طوال هذه الرحلة.
أعمل في الإرشاد الأسري والتدريب منذ سنوات، وأرافق النساء والأسر في لحظات التحول، محاوِلة أن أساعدهن على فهم ما يحدث داخلهن، واستعادة موقعهن في حياتهن بوعي ومسؤولية.
بدأت رحلتي المهنية من مساحة كنت أعرفها قبل أن أدرسها: مساحة الإنسان حين يجد نفسه أمام سؤال لا تكفيه الإجابات الجاهزة.
ومن عملي مع الناس، ومن تجربتي الشخصية، ومن القراءة والتأمل والملاحظة، تشكلت تدريجيًا منظومة «هل انتبهت؟» ؛ وهي عدسة عملية تنطلق عندي من سؤال بسيط:
جاء كتاب «الحياة ملككِ إن انتبهتِ» امتدادًا لهذه الرحلة، لا لأعطيكِ وصفة جاهزة للحياة، بل لأدعوكِ إلى أن تري موقعكِ فيها بوضوح أكبر، وأن تميزي بين ما تملكينه وما لا تملكينه، ثم تختاري كيف تسعين.